الرئيسية | إصدارات الشاهد | قضية الشهر | قضية سبتمبر (٢٠١٠): منطقة الأوغادين على ضوء المصالحة مع إثيوبيا

قضية سبتمبر (٢٠١٠): منطقة الأوغادين على ضوء المصالحة مع إثيوبيا

قضية شهر سبتمبر: منطقة الأوغادين على ضوء المصالحة مع إثيوبيا (598)

مقدمة

حظيت الاتفاقية التي أبرمت مؤخراً بين إثيوبيا والجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي (أوغادين) بتغطية إعلامية ساخنة ونقاشات حادة ليس في الجانب السياسي للاتفاقية فحسب بل في الجانب الشرعي كذلك. إذ تعتبر الجبهة الجناح السياسي والعسكري للحركة السلفية في المنطقة (الاتحاد الإسلامي). وذلك أن الاتفاقية حوت بنودا تخلت الجبهة بموجبها عن مبادئها الأساسية والمتمثلة في إقامة كيان سياسي مستقل لمسلمي أوغادين. ولم يقتصر النقاش حول الاتفاقية في أوساط الجبهة التي رفض بعض من قياداتها ما جاء في الاتفاقية، بل تعدى الاهتمام بالاتفاقية إلى خارج نطاق الجبهة ونطاق منطقة الصومال الغربي (أغادين) حيث علق عليها علماء كبار من التيار السلفي وقيادات من حركة الشباب المجاهدين.

وجاءت الاتفاقية بعد قرابة 20 عاما من الصراع بين الحركات التحررية في المنطقة والحكومة الإثيوبية ولهذا يمكن اعتبارها أهم حدث في التاريخ السياسي للمنطقة خلال العقدين الماضيين وهي قضية عام 2010م بجدارة. وفيما يلي سنحاول تسليط الضوء على أهمية المكان وجذور المشكلة، والأسباب وراء هذا الاتفاقية، وتأثيرها على حركات التحرر الأخرى، ومكاسب الأطراف الموقعة، ومستقبل الاتفاقية.

أهمية المنطقة

يمكن القول إن أهمية منطقة أغادين تكمن بأنها محورية للتاريخ الإسلامي في منطقة القرن الأفريقي حيث كانت جزاء رئيسا من المناطق الخاضعة للإمارات الإسلامية في القرن الأفريقي، وتواجدت فيها كثيرٌ من القيادات التاريخية لعموم مسلمي القرن الأفريقي (الصوماليون والأروميون والعفريون والهرريون) ومن أشهرهم الإمام إبراهيم الأشول (جري) والذي استطاع إخضاع الحبشة لسلطته بفتوحاته المشهورة في تاريخ المنطقة واعتنق بفضله الإسلام الكثير من شعوب وسكان القرن الأفريقي. ودام الحكم الإسلامي في المنطقة قرابة 4 قرون، حتي سقطت مدينة هرر (عاصمة الدولة الإسلامية في القرن الأفريقي) بيد التحالف الإثيوبي/البرتغالي بعد خروج آخر حامية من الدولة العثمانية من المدينة في عام 1887م. ومنذ ذلك الوقت تعاقب في السيطرة على منطقة الصومال الغربي (أوغادين) كل من: إثيوبيا(1887-1900) وإيطاليا(1900-1920) وبريطانيا(1920-1948) وأخيرا أثيوبيا(1948- الآن)

وتقع المنطقة في موقع استراتيجي يتوسط بين إثيوبيا وكينيا والصومال وجيبوتي وتقدر مساحتها بـ 400 الف كم2 (تقريبا خمس مساحة إثيوبيا). وسكانها مسلمون 100%، وتتكلم الغالبية العظمى منها اللغة الصومالية بينما تستخدم اللغة الهررية في مدينة هرر وضواحيها. ويقدر عدد سكان المنطقة قرابة 5 ملايين نسمة (من بين 85 مليون نسمة تقريبا الذي هو عدد سكان إثيوبيا) بينما يعتقد المثقفون والمناضلون في المنطقة أن عدد سكانها أكثر بكثير من ذلك.

واقتصاديا تعتبر المنطقة غنية حيث تتوفر فيها ثروة حيوانية هائلة وفيها ثلاثة أنهر جارية على مدار السنة و تقدر الأراضي الصالحة للزراعة فيها قرابة 40% من مجمل مساحة المنطقة ولا يستغل منها سوى مساحات قليلة. واكتشف الغاز الطبيعي في المنطقة منذ الأربعينات من القرن الماضي، الا أن التنقيب عنه واستخراجه بدأ عام 1993م، حيث تم تنقيب 300 بئر صالحة للتشغيل والاستعمال، وقد قدرت الشركة الصينية المنقبة كمية الغاز الاحتياطي المتوفر في المنطقة بأنه يكفي 90% من احتياجات القارة الإفريقية، وقد أدى ذلك في الآونة الأخيرة الى جعل المنطقة مجالا للتنافس بين أمريكا والصين حيث تريد كل دولة أن تستحوذ على خيرات المنطقة.

جذور الصراع

وكما سبقت الإشارة إليه فإن صراع مسلمي القرن الأفريقي مع ملوك إثيوبيا ضارب في القدم وكانت الهزائم والانتصارات سجالا بين الطرفين. وكانت إثيوبيا دوما تلجأ إلى ملوك أوربا في لحظات ضعفها كما حدث في القرون 16 و19 و20. وفي عام 1977 اندلعت الحرب بين الصومال وإثيوبيا بسبب منطقة أوغادين (الصومال الغربي) ومنطقة أورمو والتي عرفت إبان الصراع الصومالي الإثيوبي بـ(منطقة صومال أبو) وانتهت الحرب لصالح إثيوبيا بعد مشاركة الطيران والدبابات السوفيتية وجنود كوبا والاتحاد السوفيتي بمشاركة من اليمن الجنوبي وليبيا حينذاك.

وبالرغم من انهيار نظام الحكم في كل من إثيوبيا والصومال في بداية تسعينيات القرن الماضي فإن جراح منطقة أغادين لم تضمد بعد. فكانت إثيوبيا محظوظة إذ تمكنت المعارضة المسلحة بقيادة ملس زيناوي– رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي- من بسط سيطرتها على إثيوبيا سوى إريتريا التي استقلت عنها، بخلاف الصومال التي دخلت في دوامة حرب أهلية لا تزال مستمرة حتى الآن. أما منطقة أوغادين والتي يعرف بـ “المنطقة الخامسة” حسب التقسيم الإداري الاثيوبي، فلم تأت إليها رياح التغيير والتطوير والتنمية التي عمت مناطق أخرى من إثيوبيا بل أصبحت منطقة عمليات، والصراع دائر فيها منذ عام 1992م بين القوات الاثيوبية وحركات التحرر ومن بينها الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين).

بدأت معاناة المنطقة عام 1992 مع حملة عسكرية إثيوبية على معسكر طارق بن زياد التابع للجبهة والذي كان يتبع للحركة السلفية في المنطقة تحت مسمى (الاتحاد الاسلامي في أغادين).

فتمكنت إثيوبيا من تدمير معسكرات الجبهة في المنطقة وقتلت قرابة العشرات من القيادات العسكرية ومئات من الشباب الإسلامي الذي تم تدريبه وتسليحه لتحرير المنطقة من الحكم الأثيوبي.

و ذكر شهود عيان أنه بعيد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس المصري حسنى مبارك في عام 1995 قرب مطار أديس أبابا الدولي شنت القوات الأمنية الإثيوبية حملة اعتقالات طالت قيادات واتباع الاتجاه السلفي والإخواني في المنطقة، بل وتم اعتقال المراقب العام لحركة الإصلاح في القرن الإفريقي(الإخوان المسلمون) آنذاك الدكتور محمد علي إبراهيم بينما كان في طريقه إلى الصومال عبر المطار الدولي في أديس أبابا بعد أن عاد من جولة دعوية قام بها إلى أوربا. وتسببت الحملة العسكرية الإثيوبية على أتباع الاتجاه السلفي والاعتقالات التي طالت الاتجاه الإخواني مغادرة أغلب العلماء والمثقفين للمنطقة، ولم يبق فيها سوى حملة السلاح الذين واصلوا حرب العصابات على الحكومة الاثيوبية.

وفي عامي 1996 و1997م صعدت إثيوبيا هجماتها على معسكرات تابعة لحركة الاتحاد الإسلامي ليس في داخل اثيوبيا فحسب بل وفي داخل الصومال أيضا وخاصة في محافظة جدو الحدودية.

وبذلك استطاعت إثيوبيا انهاء الوجود العسكري لحركة الاتحاد الإسلامى في محافظة جدو والتي كانت السند والظهير للجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين). ونفذت المخابرات الأثيوبية عمليات اغتيال طالت قيادات الجبهة في داخل العاصمة الصومالية مقديشو منذ ذلك الحين بل وحاولت أيضا اغتيال الشيح حسن طاهر أويس (رئيس الحزب الإسلامي حاليا) في مقديشو. وبعد ظهور المحاكم الإسلامية كقوة حاكمة لأغلب محافظات جنوب الصومال 2006 م لم تخف إثيوبيا انزعاجها من هذا التطور وشنت حملة عسكرية أنهت حكم المحاكم في نهاية عام 2006.

الهدنة وحسن النوايا

من الملاحظ أن الاستخبارات الأثيوبية والقيادة السياسية في إثيوبيا اكتسبت خبرات مهمة للتعامل مع الإسلاميين بدءاً من القيادات السياسية الإسلامية السودانية مرورا بقيادات التنيما الإسلامية المعارضة للنظام الإريتري وانتهاء بقيادات المحاكم الإسلامية(جناح جيبوتي بقيادة شيخ شريف)، ولم تكن الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين) بعيدة عن اهتمام القيادة الإثيوبية حيث جرت 7 جولات تفاوضية بينها وبين إثيوبيا منذ تأسيس الجبهة عام 1991م. ولكن في جولة المفاوضات الأخيرة (مايو الماضي) تمكن الطرفان من إحراز التقدم بإعلانهم وقف العمليات القتالية وذلك بعد سلسلة من اللقاءات المباشرة منذ ديسمبر/كانون الأول 2009 في الدانمارك وبلجيكا، وأخيرا في جيبوتي.

ومما عزز الهدنة أن الحكومة الإثيوبية أفرجت عن 750 معتقلا في مدينة جكجكا (عاصمة إقليم أوغادين) خلال الأسابيع اللاحقة لتوقيع الهدنة، مما اعتبر كبادرة حسن نية وخلق ثقة متبادلة بين الجانبين، وإيجاد أرضية مشتركة. وكان من بين الذين تم إطلاق سراحهم أعضاء غير منتمين للجبهة مما عزز القبول الشعبي للهدنة.

وعقب الإفراج عن المعتقلين عقدت الجبهة مؤتمرات في خارج المنطقة وفي داخلها وتم الترحيب بالهدنة الموقعة مع أثيوبيا، بل ودعا المؤتمرون مواصلة المفاوضات مع إثيوبيا للوصول إلى سلام شامل مع حث الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين المعارضة للانخراط في عملية المصالحة مع إثيوبيا.

بنود الاتفاقية النهائية

بعد إعلان الهدنة بين الطرفين والخطوات التشجيعية التي اتخذتها الحكومة الإثيوبية، وبعد عقد الجبهة مؤتمراتها لإقناع الأعضاء المنتمين إليها والمواطنيين على حد سواء. دخل الطرفان التفاوض حول بنود الاتفاقية، وتمخضت جلسات التفاوض بين الجانبين عن اتفاق أنهى القتال بين الطرفين.

وحوت البنود الخمسة الأولى من الاتفاقية مطالب الطرفين. فضمنت الجبهة من خلال الاتفاقية؛ إطلاق سراح جميع المعتقلين من أعضاء الجبهة في سجون إثيوبيا، وحق العودة للمقاتلين من أعضاء الجبهة، وحرية مشاركتهم في تنمية المنطقة، وتحقيق مطالب الجبهة من خلال القنوات الدستورية. وبالمقابل ضمنت الحكومة الإثيوبية من خلال الاتفاقية؛ إنهاء حالة التمرد المسلح التي كانت تمارسها الجبهة المتحدة، وموافقة الجبهة التزامها بالدستور الإثيوبي وجميع قوانين الدولة مما يعني ضمنيا اعتراف الجبهة بالسيادة الإثيوبية على المنطقة وذلك عكس أدبيات الجبهة والحركات الأخرى في المنطقة والتي حملت السلاح في وجه الحكومة الإثيوبية.

ولأهمية الاتفاق نورد البنود الخمسة المهمة حيث البند السادس والأخير ينص على أن الاتفاقية ستدخل حيز التنفيذ فور توقيعها. والبنود الخمسة هي :-

البند الأول : إنهاء حالة الحرب:

  • إن حالة التمرد المسلح التي كانت تمارسها الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي في داخل الإقليم الصومالي في إثيوبيا قد أنهيت تماماً وبدأت انطلاقة مشروع السلام.
  • وافقت الحكومة الإثيوبية على إطلاق سراح جميع أعضاء الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي المعتقلين في السجون.
  • اتفق الطرفان بأن الدستور الإثيوبي سيكون الأساس لجميع الحقوق التي تطالب بها الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي .
  • اتفق الطرفان بالالتزام الكامل على بنود وقف إطلاق النار المتفق عليها في جيبوتي.
  • وافقت الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي التزامها بالدستور الإثيوبي وجميع قوانين البلد.

البند الثاني : الحقوق الدستورية:

اتفق الطرفان بأن قيادة وأعضاء الجبهة سيتمتعون بالحقوق الدستورية الموضحة في دستور جمهورية إثيوبيا الديمقراطية الفدرالية والتي تشمل:

  • حرية الدين والمعتقد والفكرة.
    حق التنمية.
    حق التفكير والتعبير.
    حق التملك.
    الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
    حقوق الأمم والقوميات والشعوب الإثيوبية خاصة حق تقرير المصير المؤشر بالبنـد الـ 39 من الدستور الإثيوبي.

البند الثالث : إعادة التهيئة والتأهيل

  • وافقت الحكومة الإثيوبية بأخذ ترتيبات مناسبة لاستقبال وترحيب أعضاء الجبهة مخصصة لذلك موارد لإعادة تأهيلهم ومساعدتهم، وتنفيذ الخطوات المناسبة لدمجهم في المجتمع.
  • يحق لجميع أعضاء الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي أن يشاركوا في عملية التنمية بكل جوانبها عبر التحاقهم بمختلف المؤسسات في المستويين الإقليمي والفدرالي.

البند الرابع: حقوق العودة:

  • اتفق الطرفان وفقاً للمادة 32 من الدستور الإثيوبي بأن هذا الاتفاق يدعو كل الذين غادرو البلاد بسبب الصراع بين الطرفين إلى العودة إلى جمهورية إثيوبيا الديمقراطية والمساهمة في عملية التنمية.

البند الخامس: إسراع التنمية:

  • نظراً لحالة التخلف وعدم الاستقرارالمتراكمة الناتجة عن الحروب في الإقليم الصومالي اتفق الطرفان على التعاون الكامل لدفع عجلة التنمية الشاملة في الإقليم.

الأطراف الموقعة للأتفاق

وتتكون الأطراف المتصالحة من الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي (أوغادين) والحكومة الإثيوبية ولفهم مغزى الاتفاق يجب أن نلقي الضوء على الطرفين.

الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين)

تشير وثائق الجبهة إلى أنها تأسست عام 1991م عن اتحاد ثلاث تنظيمات تحت الاسم الحالي وهي: الاتحاد الإسلامي في أوغادين وجبهة تحرير الصومال الغربي والجبهة الشعبية لتحرير الصومال الغربي، وأغلب أعضائها حاليا إسلاميون من ذوي التوجه السلفي. ويتكون الهيكل الإداري للجبهة من ثلاث مجالس هي: مجلس الشورى (30 عضوا) والمجلس التنفيذي (11 مكتبا) والمجلس القضائي (3 أعضاء)، ومن أهداف الجبهة: تحرير إقليم أوغادين من الاحتلال الإثيوبي ثم إقامة كيان مستقل ذو سيادة للشعب المسلم في أوغادين.

وحسب مصادر مقربة من الجبهة تعاقب على رئاستها كل من: الشيخ عبدالله بدي، (رحمه الله). والشيخ يوسف علي طوح، والشيخ عبدالسلام عثمان عبدالسلام، والشيخ حسين طيب (رحمه الله). والشيخ محمد عبدي أمل، والشيخ محمد عصوي، وحدث انشقاق في بدايات القرن الحالي (عام 2000) ثم توحدت الجبهة على يد الشيخ عبدالله رابي أوردوح في عام 2004. ويترأسها الآن الشيخ إبراهيم محمد حسين الذي وقع الاتفاقية الراهنة مع أثيوبيا.

وكان للجبهة مبادئ وثوابت فكرية وسياسات تنطلق منها ومن أهمها:

  1. تنادي الجبهة الشعب المسلم في أوغادين الى مقاومة الاحتلال وعدم الاستسلام في أي حال من الأحوال، لأن ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة.
  2. تتلخص رؤية الجبهة في حل مشكلة القرن الإفريقي عامة وفي أوغادين خاصة في:
  3. أن مشكلة القرن الإفريقي كلها تكمن في التوسع الإثيوبي المدعوم أمريكيا على حساب الشعوب الأخرى، وعليه فلا يمكن حل المشكلة في المنطقة إلا بكبح جماح الإثيوبيين.
  4. الجبهة مستعدة للمفاوضات مع الحكومة الإثيوبية إذا توفرت فيها عناصر النجاح المطلوبة لذلك، وهي: أن تكون المفاوضات جادة وفي جوهر المشكلة وهو حق تقرير المصير، وأن تنعقد المفاوضات خارج إثيوبيا، ووجود طرف ثالث دولي في المفاوضات ليكون شاهدا على ذلك.

ومن أهم إنجازات الجبهة كما ورد في موقعها الألكتروني: صمودها ضد الاحتلال الإثيوبي طوال 18 سنة الماضية بدون دولة صومالية ولا دولة شقيقة مساندة، وقدرتها على تأخير الزخف الاثيوبي على الصومال. وتمكنها مع الحركة الوطنية لتحرير أوغادين تأخير وعرقلة استخراج وتصدير الغاز الطبيعي من المنطقة في ظل الاحتلال.

الحكومة الأثيوبية

حكمت «الجبهة الشعبية الديمقراطية الثورية الإثيوبية» بقيادة ملس زيناوي إثيوبيا منذ 1991م، واستطاع زيناوي وحزبه المحافظة على وحدة البلاد ماعدا انفصال اريتريا في نفس العام. ورغم الظروف الاقتصادية الدولية المتدهورة فإن الاقتصاد الإثيوبي حافظ على نموه بصورة سريعة حيث سجل النمو الاقتصادي الإثيوبي المعدلات الآتية في السنوات الثلاثة الماضية (11.1 % في عام 2007 ) و(11.6 % عام 2008) و (8.7% عام 2009).

ومنذ توليه الحكم استطاع ملس زيناوي خلق علاقات متينة مع دول الخليج وجلب استثماراتها وأصبحت إثيوبيا قوة إقليمية مهمة اقتصاديا وسياسيا وحليفا استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية في مجال محاربة الإرهاب في منطقة القرن الأفريقي. ويعد الجيش الإثيوبي من أقوى الجيوش في شرق إفريقيا حيث يقدر تعداده بـ 100 الف عنصر ويضطلع بمهام حفظ سلام دولية في كل من بوروندي وكونغو الديمقراطية والسودان، وبفضل الاستقرار السياسي النسبي استطاعت إثيوبيا أن تكون لاعبا إقليميا مهما في الشأن الصومالي والسوداني وزعيمة لدول حوض النيل ضد دول المصب وأهم الممثليين للقارة الأفريقية في اجتماعات مجموعة 20.

مبرارت الطرفين

الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين)

المبررات التي تقدمها الجبهة لقبولها التوقيع على الاتفاقية هي:

  • معاناة المواطنيين: لوحظ أن سكان المنطقة ضعفت همتهم لنصرة الحركات التحريرية ويرجع المحللون هذا الأمر إلى أن الحكومة الإثيوبية جعلت منطقة أوغادين منذ تسعينيات القرن الماضي منطقة عسكرية وشددت قبضتها الأمنية على المواطنيين مما أدي إلى انتهاكات خطيرة في حقوق الإنسان ويظهر هذا الأمر بوضوح من تقرير «لجنة أوغادين لحقوق الإنسان» في 1998م والذي يظهر الأسماء والأماكن التي حدثت فيها الانتهاكات، وكيف كان المواطنون العزل يقتلون في وضح النهار وبدون محاكمة في وسط المدن من قبل القوات الأمنية الإثيوبية أو في داخل الثكنات العسكرية الإثيوبية ويرمى جثثهم في شوارع المدن في المنطقة لترويع المدنيين.

وأشارت تقارير دولية وإعلامية، أن الحكومة الإثيوبية لجأت أيضا إلى أسلوب منع المساعدات من المواطنيين وحرق القرى. وذكر شهود عيان فظائع ارتكبت في حق المواطنين العزل في عام 2008م، وفي تقرير للأمم المتحدة في عام 2008 أوضح بجلاء معاناة المواطنين وتجويعهم وحرمانهم من المساعدات وارتفاع الأسعار ومدى شعور المواطنين الخوف على حياتهم.

ولخص تلك المعاناة والمأساة رئيس مجلس شورى الجبهة الشيخ أحمد عبده نوح والذي كان على رأس الوفد المفاوض مع الجانب الإثيوبي حيث قال «إن الهدنة مع إثيوبيا تمثل استجابة للدعوات الصادرة عن مختلف فئات الشعب في إقليم أوغادين، والذي يعيش في ظروف أمنية بالغة التعقيد نتيجة الحروب وتردي الأوضاع الإنسانية.

  • فقدان السند والمناصر للقضية: عانت الجبهة من فقدان الدعم الخارجي. في السابق كانت جمهورية الصومال الملاذا الآمن والسند الحقيقي لحركات التحرر في منطقة أوغاذين وجميع المناطق الإثيوبية الأخري. وكانت الدول العربية أيضاً في السابق توفر الدعم والمساندة المعنوية والمادية وربما العسكرية لهذه الحركات من خلال جمهورية الصومال أو من خلال مكاتب تلك الجبهات في الدول العربية. ويسثنى – حسب مصادر قيادية في الجبهة – السودان حيث حصلت منها الجبهة دعما في منتصف التسعينات، ولكن مع تحسن العلاقات بين السودان واثيوبيا انقطع الدعم. وأما الدعم الإريتري فقد كان دون المستوى حسب ما أفادت به قيادات معارضة في المنطقة وفي الصومال.

وعلاوة على ذلك فإن الجبهة بكونها تنظيما سياسيا إسلاميا سلفيا يوضح مدى الصعوبات التي يمكن أن تواجه محاولات الجبهة لخلق علاقات خارجية تخدم قضيتها. ويقول رئيس الجبهة الشيخ إبراهيم محمد حسين في حوار له مع أقصى أون لاين عام 2007م «أمامنا عقباتٌ كثيرةٌ، أهمها: قلة الدعم الخارجي، كما أن انهيار الصومال الذي كان السند الرئيسي لقضيتنا يمثِّل عقبةً أخرى، وهناك أيضًا الدعم الغربي الظالم لإثيوبيا». وذلك بينما كانت الحركة الوطنية لتحرير أوغادين المنافسة لها تلقى ترحيبا لدى الدوائر الأوربية والأمريكية لأنها فكريا ترتكز على أسس الوطنية والقومية.

  • الخوف من حركة الشباب المجاهدين: تزايد نفوذ حركة الشباب المجاهدين في الصومال(ملاذ حركات التحرر الإثيوبية) من ضمن الأسباب التي دعت الجبهة إلى دخول المصالحة مع إثيوبيا لأن حركة الشباب تطبق سياسية يمكن أن نسميها «احتكار العمليات الجهادية في منطقة القرن الأفريقي». وتحاول الحركة توحيد الإسم والراية الجهادية التي تتبناها عبر تخلصها من جميع الجبهات والحركات الأخري ذات الأهداف والسمات المشتركة بصورة هادئة؛ إما بضمها إلى صفوفها، أو تصفيتها. وما يجري للحزب الإسلامي في الصومال خير شاهد على هذا الأمر. ومما تجدر إشارته أن أغلب أعضاء الجبهة وقياداتها يعتنقون الفكر السلفي الدعوي، وليسوا من السلفية الجهادية التي تنتهج نهج القاعدة. ويفيد أحد كوادر الجبهة أن وجود قيادات الجبهة في الصومال أصبح خطرا بعد هيمنة حركة الشباب المجاهدين على جنوب الصومال، وتضاؤل دور الحزب الإسلامي ذات القرابة الفكرية مع الجبهة، حيث لوحظ تجنيد حركة الشباب لكثير من كوادر ومقاتلي الجبهة وضمهم إلي صفوفها.

ومما لايعمله الكثيرون أن حركة الشباب المجاهدين كان لها جولات قتالية في عمق منطقة أوغادين قبل شهرتها عالميا كحركة صومالية تتبنى نهج تنظيم القاعدة في عام 2007م، ومن الشخصيات المشهورة من الحركة والتي عبرت الحدود واستشهدت في منطقة أوغادين الشيخ عبدالله سهل والشيخ عمر طيري.

  • تجارب الحركة السلفية في بونتلاند: تتمتع الحركة السلفية في الصومال(الاتحاد الإسلامي سابقا وحركة الإعتصام حاليا) بخبرات سياسية وعسكرية وتجارية متميزة حيث تأثرت في سبعينيات القرن الماضي بأدبيات الإخوان وفي الثمانينات اعتنقت الفكر السلفي إبان اللجوء إلى المملكة العربية فرارا من حكم سياد بري، وفي عام 1991م خاضت الحركة مواجهات ضد الجنرال محمد فارح عيديد في منطقة كسمايو، وضد الجبهة الديمقراطية للخلاص الصومالي بقيادة العقيد عبدالله يوسف في شمال شرق الصومال عام 1992. وفي عام 1993 شاركت الحركة في الحرب الدائرة بين الجنرال عيديد والقوات الأممية لحفظ السلام في الصومال، ودمرت الحركة مركبات عسكرية أمريكية في مقديشو وربما هم من أسقطوا طائرة «بلاك هوك» في مقديشو في أكتوبر من نفس العام. وفي 1992م أيضا خاضت الحركة السلفية في أوغادين(وهي امتداد للحركة السلفية في الصومال) مواجهات دامية ضد القوات الإثيوبية داخل منطقة أوغادين حيث أسست فيها معسكرات لتدريب، وفي 1996 خاضت حركة الاتحاد الإسلامي في الصومال حربا ضد القوات الإثيوبية التي غزت محافظة جدو في جمهورية الصومال.

ولكن الحركة السلفية في بونت لاند متميزة حيث خاضت مواجهات عسكرية في بونت لاند في يونيو 1992 ضد العقيد عبدالله يوسف رئيس الجبهة الديمقراطية للخلاص الصومالي آنذاك( أصبح رئيسا للصومال 2004-2009) وسيطرت على أهم المدن في المنطقة وتمكنت من اعتقال أهم القيادات السياسية ومن بينهم العقيد عبدالله يوسف، ولكن بعد إفراجها عنه من المعتقل بوساطة من الشيخ عبد القادر نور فارح – أشهر علماء السلفية في الصومال- وأحد زعماء الحركة قاد ثورة شعبية أطاحت بهم وشتتت شملهم. وتمكنت الحركة تحت قيادة الشيخ عبد القادر نور فارح باجراء حوار سياسي مع الجبهة الديمقراطية للخلاص الصومالي أدى إلى اتفاق ألقت الحركة بموجبه السلاح وانخرطت في الحياة المدنية واتجهت إلى التعليم والتجارة. ومنذ ذلك اليوم تعتبر الحركة السلفية في بونت لاند مثالا لتعايش السلمي مع القيادات السياسية في المنطقة. وبفضل هذه السياسية الحكيمة هيمنت الحركة على التجارة والتعليم والعمل الخيري في منطقة بونت لاند.

ووفقا للتصريحات الإعلامية لقيادات الجبهة وقراءة عميقة للاتفاق يتضح أن الجبهة تحاول السير على خطى الحركة السلفية في بونت لاند للتعايش السلمي مع الحكومة الإثيوبية والتوجه إلى التنمية والدعوة والتربية والتعليم بدل المواجهات السياسية والعسكرية التي تسببت في هجرة العقول والعلماء والمفكرين من المنطقة. ولاشك أن المفاوضات التي جرت بين الحكومة الصومالية بقيادة الرئيس عبد الله يوسف وجناح جيبوتي من تحالف إعادة تحرير الصومال بقيادة الشيخ شريف، وتبوؤ الأخير على مقعد رئاسة الصومال، وانسحاب إثيوبيا من الصومال من المغريات أيضا.

الحكومة الاثيوبية

الحكومة الاثيوبية بالرغم من قوتها وتزايد نفوذها في المنطقة والتي يرجع الفضل الأكبر فيها إلى التكتيك القيادي لرئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي وبحنكته السياسية وبتمتعه بعلاقات قوية مع الخارج الا أن الحكومة الإثيوبية فشلت في جوانب عدة جعلتها تجمل صورتها بمثل هذا الاتفاقيات ومنها:

فشل العملية الديمقراطية في إثيوبيا: كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعول على القيادات الشابة التي ظهرت في مسرح الاحداث في تسعينيات القرن الماضي أن تكون قدوة في التحول الديمقراطي في القارة السمراء والتي انهكتها الصراعات وحكم الديكتاتوريات. وكان ملس زيناوي في إثيوبيا، وأسياسي أفورقي في إرتيريا، وبول كيجاما في رواندا، وحتي يوري موسفيني في أوغندا في الطليعة.

ولكن رئيس الوزراء الاثيوبي ملس زيناوي فشل في بسط الحرية والديمقراطية في إثيوبيا. ولا زالت أقلية تجراي التي ينتمي إليها تتحكم في إثيوبيا مع شخصيات لا تحظى بتأييد شعبي في الإثنيات والمناطق الأخرى في إثيوبيا عبر تنظيم «الجبهة الشعبية الديمقراطية الثورية الإثيوبية». وانتخابات عام 2005 كانت بمثابة رسوب في امتحان الديمقراطية والحرية السياسية حيث شهدت الانتخابات عمليات تزوير مروعة حسب المراقبين ولم ترق إلى المعايير الدولية. وشهدت العاصمة أديس أبابا مظاهرات واعتصامات تسببت في مقتل 200 شخص بسبب قمع قوات الأمن للمتظاهرين.

وفي انتخابات مايو الماضي 2010م لم تكن أفضل بل اختلفت عن سابقتها في سيناريو الإخراج فقط، إذ خططت نتائج الانتخابات سلفا بصورة دقيقية، حيث تم اعتقال ومحاكمة القيادات المعارضة قبل إجرائها بفترة طويلة. وفي 22-12-2009 أصدرت محكمة إثيوبية أحكاما بإعدام 5 سياسيين والسجن مدى الحياة لــ 33 آخرين ومن بين المحكوم عليهم بالإعدام زعيم المعارضة ميلاكو تيفيرا –مسجون في أثيوبيا- وبرهانو نيجا وهو أيضا سياسي انتخب رئيسا لمجلس بلدية العاصمة أديس أبابا في انتخابات عام 2005 ولكنه سجن مع أعضاء آخرين من المعارضة بعد أن شككوا في فوز الحكومة بالانتخابات، واتهموا بتدبير احتجاجات الشوارع وتم العفو عنه عام 2007 وتوجه إلى الولايات المتحدة حيث أسس جماعة معارضة تحمل اسم «15 مايو» وهو يوم انتخابات عام 2005.

وفي شهر أكتوبر عام 2009 قدمت أربعة أحزاب معارضة وثائق لوكالة رويترز للأنباء تحتوي على أسماء 450 من السجناء وتواريخ القبض عليهم وأماكن سجنهم. وسجل حزب «منظمة الوحدة لكل الإثيوبيين» المعارض سبع جرائم قتل لأعضائه خلال عام 2009. وقال حينئذ غيزاتشو شيفيرو –نائب زعيم حزب الوحدة من أجل الديمقراطية والعدالة- المعارض أيضاً إن تلك الاحتجازات تهدف إلى منع أعضاء الحزب من ترشيح أنفسهم في الانتخابات-2010. واعتبرها «إستراتيجية للحزب الحاكم لتحويل إثيوبيا إلى دولة الحزب الواحد”. ومن المدهش فعلا أن نتائج الانتخابات الأخيرة فاقت التوقعات حيث فازت الجبهة الشعبية الديمقراطية الثورية الاثيوبية الحاكمة بــ 98% من مقاعد البرلمان الاتحادي. وأدى ذلك الأمر إلي غضب أوربي وأمريكي حيث انتقد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمنظمات الحقوقية العالمية والمعارضة الاثيوبية انتخابات مايو الماضي. ووصفت بأنها لا ترقى إلى المعايير الدولية. واتهم الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي مايك هامر السلطات الإثيوبية «بفرض قيود» على هيئات المراقبة المستقلة و»مضايقة» ممثلي وسائل الإعلام المستقلة. وقال إن هذه الممارسات أثرت سلباً على الانتخابات، مؤكدا «خيبة أمل» البيت الأبيض لأن السلطات الإثيوبية لم تسمح لمسؤولين أمريكيين بالسفر خارج العاصمة أديس أبابا لمراقبة سير عملية الاقتراع. وأما رئيس بعثة مراقبي الاتحاد الأوربي للانتخابات الإثيوبية ثييس برمان قال آنذاك معلقا على الانتخابات “ إن الفرق لم يكن واضحا بين الحزب الحاكم والهيئات المشرفة على الانتخابات في كثير من الأماكن بالبلاد. ولاحظنا استغلالا لموارد وتجهيزات الدولة في الحملة الانتخابية”.

وشعرت القيادات الإثيوبية مدى الاستياء الدولي من العملية الانتخابية ولتجميل الصورة نظمت مظاهرات جابت شوارع العاصمة ومدن أخرى. ولإضفاء روح التأييد الشعبي على الإنتخابات دعا ملس زيناوي في إحدى المسيرات المساندة له المعارضة والمجتمع الدولي إلى الاعتراف بنتائج الانتخابات. وحذر معارضيه من «إثارة الفوضى وألا تكون أدوات في أيدي قوى خارجية ليس لها الحق في أن تنصب نفسها حكما على الانتخابات الإثيوبية»

سجل اثيوبيا المتدهور في حقوق الانسان: بالرجوع إلى تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، والمنظمات والمؤسسات الإعلامية نرى أن سجل مراعاة حقوق الانسان في اثيوبيا متدن للغاية، ولا يتماشي مع الثقافة العالية للنخبة الإثيوبية الحاكمة والتاريخ النضالي المرير الذي خاضوه ضد الحكومة الديكتاتورية السابقة. ويرجع الفضل في كشف الحقائق المرة في مجال تعدى حقوق الإنسان في أثيوبيا إلى المنظمات الحقوقية المحلية والجاليات الإثيوبية في المهجر وخاصة الأمهرية والصومالية والأورومية، والمؤسسات الإعلامية مثل قناة الجزيرة وصيحفة نيويورك تايمز والفارين من قمع الحكومة الإثيوبية.

وقد رصدت هيومن رايتس وتش اعتداءات القوات الإثيوبية على المدنيين وذكرت أنها شملت حرق قرى بأكملها والقتل والاغتصاب والتخريب والترويع. كما كشفت الأمم المتحدة عام 2007 عن ممارسات القوات الإثيوبية في الفترة 1-20/9/2007 بحق المدنيين من إقليم أوغادين، وأوصت بتشكيل لجنة دولية مستقلة لتقصي الحقائق بدون تدخل إثيوبي. وفي 7/10/2007 قرر الكونغرس توقيف المساعدات الأميركية عن إثيوبيا بسبب انتهاكاتها في إقليم أوغادين. وعقدت جلسة استماع في مقر البرلمان الأوروبي موضوعها «حقوق الإنسان والوضع الأمني في أوغادين”.

الأستعداد لتغيرات أقليمية وقضايا مصيرية: يرى المحللون في الشأن الإثيوبي أن الحكومة دخلت المصالحة مع الجبهة والجماعات الأخرى استعدادا لتغيرات إقليمية مهمة في العام 2011م وما بعده ومنها الاستفتاء في جنوب السودان (يتوقع في يناير 2011) ومن السيناريوهات المحتملة اندلاع حرب شرسة بين الجنوب الذي يعلن استقلاله ربما عبر البرلمان الجنوبي والحكومة في الخرطوم. ومن المؤكد أن تساند إثيوبيا الانفصال وتسوء العلاقة مع الخرطوم وهذا السيناريو يحتم على إثيوبيا محاولة إنهاء الخلافات مع الحركات المسلحة الداخلية.

وقادت إثيوبيا في الآونة الأخيرة صراعا سافرا ضد دول المصب بتحريضها دول المنبع على دول المصب. ولاشك أن إثيوبيا استغلت السنوات الماضية انشغال مصر بعملية انتقال السلطة بصورة سلسة من الرئيس الحالي حسني مبارك إلى نجله جمال مبارك الذي يوشك أن يتم في العام القادم، ويعتقد أن مصر ستكون لاعبا مؤثرا ومهما في منطقة شرق إفريقيا بعد الانتخابات الرئاسية المصرية في عام 2011.

أسباب أخري: وهناك أسباب أخرى لا تقل أهمية عن تلك الأسباب ومنها أن إثيوبيا تسعى لجذب مزيد من الإستثمارات في السنوات الخمسة القادمة(مدة الاستحقاق الانتخابي) لذا تريد أن تظهر بمظهر الدولة المتماسكة والمستقرة سياسيا. ومن الأسباب أيضا أن هناك صراعا بين أمريكا والصين على إثيوبيا وخاصة حول قطاع استخراج الغاز الطبيعي في منطقة أوغادين، وأن الضغط الأمريكي على إثيوبيا سببه توجه إثيوبيا إلى الشرق بدل الغرب في مجال استثمار الطاقة، وأن علاقة إثيوبيا مع الغرب في انحسار مستمر وربما إغلاق سفارة إثيوبيا في السويد مؤشر قوي علي هذا الانحسار والتدهور في العلاقات بين الغرب وإثيوبيا.

تأثير الاتفاقية على مجمل الأوضاع في المنطقة

تأثيرها على الجبهات التحررية الأخرى:

الاتفاق مع الجبهة وإطلاق سراح المعتقلين يشجع الأطراف الأخرى على الانخراط في عمليات مصالحة مع الحكومة الإثيوبية، وفعلا بعد توقيع الاتفاق بين الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين) والحكومة الإثيوبية أعلن أيضا عن هدنة بين جناح منشق من الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين بقيادة صلاح الدين حاج عبدالرحمن وبين الحكومة الإثيوبية. ومن الإيجابيات أيضا أن الاتفاق أثار نقاشا حادا بين الأوغادينيين في الداخل وفي المهجر حول إمكانية التعايش السلمي مع النظام الإثيوبي والتوجه إلى تنمية المنطقة في الوقت الحالي والسعي إلي التغيير السلمي بدل الكفاح المسلح. واعتبر البعض الاتفاقية إنجازا سياسيا، بينما وصفها البعض بأنها عبارة عن استسلام للعدو -إثيوبيا- وتخلٍ لأول مرة عن المبادئ الأساسية التي ناضل من أجلها الآباء مند قرون وليس سنين.

تأثيرها على الجانب العسكري:

شهد هذا العام هدوءا نسبيا مقارنة بالأعوام الماضية، ويرجع الفضل في ذلك إلي المفاوضات من جهة، ومن جهة أخرى إلى سياسة طبقتها إثيوبيا في الفترة الماضية تعتمد على تأسيس قوة عسكرية في المنطقة تقاتل جبهات التحرر نيابة عن القوات الإثيوبية التي يغلب فيها القوميات الأخرى وهو نظام شبيه بـ «صحوات العراق» ولكن بنكهة إثيوبية تعتمد على القوات شبه النظامية من المنطقة بدون أساس قبلي، وبالتالي فإن المعارضة المسلحة كانت تقاتل ضد أبناء جلدتها وضحايا المواجهات العسكرية من الجانبين هم من أهل المنطقة.

ولكن بالمقابل هذا الاحتواء للمعارضة المسلحة سلاح ذو حدين حيث من المتوقع أن يقوى الجناح الرافض للمصالحة مع النظام الإثيوبي في الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين بعد تخلي التنيظمات الأخري عن الكفاح المسلح. والجدير بالذكر أن الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين تحظى بشعبية واسعة لدى غالبية الشعب الأوغاديني في الداخل والخارج وتتمتع بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة الامريكية وأوربا، وتهدد بصورة جدية الاستثمار الصيني في منطقة أوغادين حيث قتلت 9 صينين وعشرات من القوات الإثيوبية في عام 2007 بعد هجوم ناجح على حقل للغاز الطبيعي في منطقة أوغادين. وفعلا نشرت بعد توقيع الاتفاق تهديدا للشركات الصينية وغيرها والتي تقوم باستخراج الغاز من المنطقة. وبحسب إفادات مقربين من الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين) فإن هناك عناصر رافضة للاتفاق ومن المتوقع أن يظهر إلى العلن في الأشهر القادمة كيان رافض للاتفاقية سيحمل لواء المقاومة والمواجهات مع الحكومة الاثيوبية.

تأثيرها على الإسلاميين:

حظيت الاتفاقية بنقاش ديني عبر المساجد والمواقع الإلكترونية الصومالية، وصل إلى حد تكفير الموقعين عليها. وأبدى الشيخ محمد عبدي أمل (من القيادات السابقة للجبهة) وهو أكثر الشخصيات السلفية تأثيرا في منطقة القرن الأفريقي مآخذه على الاتفاقية ومن بينها اعتراف الجبهة على الدستور الاثيوبي، ولكنه استنكر بشدة تكفير قيادات الجبهة. ومن جانبها لم تغفل حركة الشباب المجاهدين عن هذا الحدث المهم حيث نقل عن قيادي بارز في الحركة قوله “إنها سابقة خطيرة” أن يقر ويعترف فصيل “كان ينتمي إلى التيار السلفي الجهادي، الدستور الإثيوبي الوضعي، ويتخلى عن الجهاد في سبيل الله”. متهما قيادة الجبهة المتحدة بـــ “الميوعة الفكرية والمنهجية، والجري وراء الإغراءات الإثيوبية الكاذبة” وأكد أن هذه الاتفاقية “ستقوي شوكة الجهاديين الذي يستلهمون طريقة تنظيم القاعدة”.

تأثيرها على تنمية المنطقة:

لاشك أن الاتفاقية ستؤثر إيجابا على مجمل العملية التنموية في المنطقة إذ من المتوقع أن تعود إلى الأقليم قيادات سياسية ومثقفون وعلماء ورجال أعمال، ومن المأمول أن تمنح الحكومة الإثيوبية حرية نسبية لانخراط العائدين والمفرج عنهم من السجون للعمل في مجالات التنمية بصورة أكثر، وبصورة أقل في المجال السياسي.

مستقبل الاتفاقية

هذه الاتفاقية بمثابة اختبار حقيقي للأطراف الموقعة ويصعب التكهن حاليا حول مدى صمودها في وجه الاستحقاق التاريخي والنضالي والشك المتأصل بين الأطراف، ومن الملاحظات الأولية على الاتفاقية والتي تضعف صمودها:-

أن الاتفاقية ليست شاملة حيث أنها لم تشمل الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين الأكثر شعبية والأكثر خبرة وصمودا من الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي (أوغادين)، والتي تتمتع بعلاقات طيبة مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدوائر الأوربية. وبوجه عام هناك معارضة مسلحة في المناطق المسلمة مثل منطقة أورومو، إلى جانب المعارضة السياسية التي تنشط في الخارج والمنتمية إلى القوميات الأمهرية والأورموية والتي تضم قيادات سياسية بارزة من ضمنها الرئيس الإثيوبي الأسبق نيجاسو غطاطا (Negasso Gidada) وقيادات انشقت عن الحكومة مثل وزير الدفاع الأسبق سي أبراها (Siye Abraha).

حل الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي(أوغادين) نفسها بعد توقيع الاتفاقية وهو خطأ تاريخي لأنه سيفسح المجال لعناصر أخرى من التيار السلفي الجهادي الأكثر تشددا لتنظيم صفوفها لمواصلة العمل المسلح ضد أثيوبيا. ولايستبعد أن تكون لحركة الشباب المجاهدين خلايا وألوية في المنطقة لمواصلة العمل المسلح أو دعم متعاطفين معها كما حدث في بونت لاند- مليشيات الشيح محمد سعيد أتم – ومما يعزز هذه الفرضية أن أدبيات الحركة تسمح بمثل هذا التوسع إلى جميع المناطق المسلمة في القرن الأفريقي الكبير متي تيسرت الأمور وتوفرت الأسباب.

الانتخابات الأخيرة في إثيوبيا تلقي بظلالها على الاتفاقية لأن المناخ السياسي في إثيوبيا غير صحي. وذلك أن إثيوبيا في الوقت الراهن تخضع لهيمنة حزب واحد واثنية واحدة بقيادة رئيس الوزراء الحالي ملس زيناوي. ومما يعقد الأمور على الراغبين في العمل السياسي السلمي أن النخبة الإثيوبية الحاكمة تعاني من عقدة «التفريط في أريتريا» وانفصالها عن إثيوبيا مما جعلها تتشدد مع المناطق الأخرى مثل منطقة أورومو ومنطقة أوغادين الصومالية. والجدير بالذكر أن منطقة أوغادين – على سبيل المثال – قلما غادرها حاكم الإقليم بهدوء بل غالبا ما يكون ضيفا على السجون بعد انتهاء خدمته كحاكم، مما جعل المراقبين يرون أن سياسة أديس ابابا تجاه الأقاليم غير تجراي (التي تنتمي اليها النخبة الحاكمة المتنفذة في إثيوبيا) هي خلق عملاء لا شركاء في الوطن.

وعموما المصالحة والاتفاق المبرم بين الجبهة وبين الحكومة الإثيوبية خطة إيجابية في حد ذاتها – كما أسلفنا – علي الأقل في المدى القريب ولكن يمكن وصفها بأنها استراحة مقاتل واستعداد لفترة مقبلة غير واضحة المعالم، حيث إن إثيوبيا تشبه إلي حد كبير الاتحاد السوفيتي سابقا أو الاتحاد اليوغسلافي، وربما الدعم الغربي لإثيوبيا وأسلوب قيادة رئيس الورزاء ملس زيناوي وساعده الأيمن وزير الخارجية سيوم مسفن هي التي تؤخر انفراط عقدها في الوقت الراهن. ذلك أن إثيوبيا تعاني من التخلف والفقر والأطماع الدولية لثرواتها والصراع مع دول المصب وقمع القوميات واشعارهم بالدونية وخاصة الأمهرية والأورومية والصومالية ما يهدد كيانها بالتفتت مستقبلا….. (انتهـــي)

عن عبدالقادر عثمان (برنامج)

عبد القادر محمد عثمان محلل مختص بشؤون القرن الأفريقي، عمل مراسلا لموقع إسلام أون لاين كما تقلد المناصب التالية الأمين العام لجميعة الصحفيين الصوماليين وعضو باللجنة الخارجية والتعاون الدولي للإتحاد العام للصحفيين العرب ومدير المركز الصومالي للإعلام، ومديرا للمكتب الإعلامي في الرئاسة الصومالية منذ فبراير ٢٠٠٩ إلى أن استقال في ٢٠١٠م .

شاهد أيضاً

ماذا يعني وجود أميصوم في الصومال؟

مقدمة كثيرة هي الوقائع التي فهم الناس ظاهرها ولكنهم لم يدركوا بواطنها، وليس ذلك بالضرورة …

7 تعليقات

  1. هل الارض ملك لجبهة تحرير اوجادين ليساوموا عليها وهل الإثيبيون مؤتمنون علي الأرض والعرض ليتم التحاور معهم نتحاور من منطلق قوه وليس من منطلق ضعف يملي علينا مانفعله والشروط لا تكون مخله بالدين والشرع مثل حرية المعتقد والفكر لا إن الدين عند الله الإسلام ودعوي خوفهم اي جبهة التحرير من الشباب المجاهدين غير صحيحه فالأساس والمنبع واحد الكتاب والسنه بفهم سلف الامه ومن يري انهم افضل من الشباب المجاهدين لم تُركوا بدون دعم ولو حتي معنوي,
    كينيا وأثيوبيا وأريتريا وجيبوتي اتوقع رغم العداء بينهم يتوحدون بعد تحييد جبهة التحرير لشن هجوم علي الشباب المجاهدين ودعم حكومة شيخ شريف في حال سيطرة الشباب علي كامل الصومال لأن اهداف الشباب توسعيه اكثر منها تنمويه فبعد التحالف مع الحزب الإسلامي يجب تفويت الفرصه علي إثيوبيا وجذب المنشقين من جبهة التحرير وسرعة سد تلك الثغره المتمثله في إقليم اوجادين

  2. شكرا للكاتب الفريد
    ثم إنه لم نكن في حسبان أحد أن جبهة اسلامية مثل هذه توقع إتفاقية سلام مع الحكومة الإيثوبية التي طالما داربينهم حروبا اهلكت الأخضر واليابس، ألا أن هذه الإتفاقية تلقت قبولا شعبا لم تكن تحسبها الجبهة نفسها ، وأصبحت موضع حدبث واهتمام بين كثير من القراء والكتاب ، فضلا عن المجتمع الذي أتخذ من أجله السلام .لكن بالرغم من وجود كثير من الحساد يتمني الشعب من الله الإستقرار والطمأنينة ويرجو أن يجعل الإتفاق بداية اليسرين.

  3. في رأيي أن الشعب في تلك المنطقة التي يحلوا للبعض أن يسميها بأوغادين والبعض الآخر بالصومال الغربي يحتاج إلى سلام دائم وإستقرار من أجل أن ينعم بالحياة السعيدة التي لم يذقها في تاريخه الطويل. وأنا شخصيا من الذين ينادون بالسلام دائما وقد تجدني أشعر بالقشعريرة عندما أسمع من البعض أن إثيوبيا ليست مثل كينيا التي يخضع لها إقليم صومالي ولكنه ينعم بالإستقرار والديمقراطية والحياة الكريمة وقد يكون هذا الكلام يتمتع بمصداقية كبيرة، وإذا سلمنا ما يقوله هؤلآء من أن إثيوبيا لا يمكن أن تكون دولة ديمقراطية متفتحة خاصة وأن بعض أبنائنا لا زالوا يحملون السلاح ويعطون التبريرات اللازمة للوجود العسكري الإثيوبي الكثيف في منطقمتنا وما يرتكبه من قمع وأعمال وحشية في حق مواطنينا الأبرياء، الاّ أن إختيار الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي سيكون إختبارا حقيقيا لإثيوبيا عن ما إذا كان يمكن أن تتحول إلى دولة ديمقراطية يسلم تحت ذلها من يأتي إليها وهو يمد يده بالسلام، وخير لنا أن نختبر إثيوبيا لنعلم ونتأكد عن نواياها في السلام والتعايش السلمي في المنطقة.

  4. Thank you for another great article. Where else could anyone get that kind of information in such a perfect way of writing? I have a presentation next week, and I am on the look for such information.

  5. تسمية منطقة الصومال الغربي كانت الوسيلة المثلى التي استخدمها الاستعمار من أجل تفريق كلمة الصوماليين حتى وصلنا اليوم إلى هذه المهزلة الاستسلامية لكبراء الوهابية السلفية التي هي بالحقيقة نمط فكري رجعي، ولا غرو في ذلك فإن السلفية الوهابية لها مخزون تاريخي سلبي في حياتهم.

    أوغادين قبيلة صومالية قديرة لكن ليست فوق الأمة والقضية ولا ينبغي أن تصبح وسيلة تفريق وتفتيت، وأرجو من الأسرة الأكاديمية الابتعاد عن هذا المصطلح الاستعماري الذي فعل فعلته الخبيثة في مجتمعنا، والعجيب أن بعضا من الأكاديميين يجهلون أصل المصطلح الذي يأتي من سياسية الملك الإثيوبي الاستعماري المجرم هيلا سلاسا!!فهو الذي أطلق المنطقة اسم القبيلة حتى يفرق جمع الصوماليين إذ من المستحيل أن يقبل أكثر من 12 قبيلة صومالية وأكثر من 10 قبيلة غير صومالية مسلمة أن تقبل مسح اسمها وتصبح تنتمي إلى قبيلة ليسوا منها،،،وليس هذا من قبيل القبلية بل هي من قبيل حماية الشرف،،،لذلك يجب استخدام المصطلحات التي ترضي الجميع كالصومال الغربي فهي تتناغم والتراث الأدبي النضالي وتتناغم مع الشعور المجتمعي لدى كافة سكان المنطقة،،،أرجو مراجعة المصطلحات وفهم مغازيها قبل استخدامها مع الشكر والتقدير للكاتب والقاري والناشر

  6. السلام عليكم :
    أشكر الكاتب على هذا الشرح لازمة اقليم أوغادين :
    من رأي أنا : التوقيع بالاتفاقية بين الجبهة المتحدة لتحرير الصومال الغربي مـــــــــــع حكومة العدو ميلس زيناوي , خطأ تاريخي وهو إعلان الاستسلام من جانب الجبهه المتحدة لتحرير الصومال الغربي بعد كفاح مسلح وصمود امام اثيوبيا

    ** اقتباس من المقال *** اعتبر البعض الاتفاقية إنجازا سياسيا، بينما وصفها البعض بأنها عبارة عن استسلام للعدو -إثيوبيا- وتخلٍ لأول مرة عن المبادئ الأساسية التي ناضل من أجلها الآباء مند قرون وليس سنين.

%d مدونون معجبون بهذه: