الرئيسية | زوايا خاصة | رأي الشرع | مصطلح “الوزارة” في الفكر السياسي الإسلامي

مصطلح “الوزارة” في الفكر السياسي الإسلامي

نبذة عن آدم يونس

avatar
يحمل البكالوريوس في الشريعة ، والماجستير في السياسة الشرعية يُحضر الدكتوراه في التخصص نفسه بالمعهد العالي للقضاء بالرياض، عضوٌ غير متفرغ لعدد من الهيئات والمنظمات، ومُهتم بقضايا الفقه الإسلامي المُعاصر.

لقد اهتم الإسلام قديما وحديثا بجوانب عديدة من الحياة الإنسانية التي تنظم أمور البشر، ومما يتميّز به الإسلام عن غيره أنه اهتم ولا يزال يهتم بتلك الجوانب المتعددة، فعلى المسلم أن يتعرف على الدين الإسلامي بجوانبه المختلفة لاسيما تلك التي تمسّ مباشرة الحياة اليومية للإنسان وسلوكياته، ولم يكن فهم الإسلام وتعليمه قاصراً على أبواب العبادات فقط، بل لابد من فهم الفقه السياسي والاجتماعي والاقتصادي للإسلام، وإبراز هذه الجوانب للعالم وبيان صلا حيتها للبشريّة، وعلى مختلف أحوالها وأقطارها وأزمانها.

والسلطة التنفيذية في الإسلام هي التي تقوم بإدارة شؤون الدولة كإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، وتعيين الموظفين وعزلهم، وقيادة الجيش وإعلان الحرب، وقطع الصلح والهدنة وإبرام المعاهدات ونحوها، وهذه السلطة هي (في الأصل) بيد رئيس الدولة، ولما كان رئيس الدولة لا يتمكن من القيام بهذه السلطة وحده في كل أمور الدولة كان لابُد أن يكون له أعوان ووزراء يعينونه على تدبير الأمور في مسارها الصحيح وهذا ما سنحاول الوقوف عليه خلال هذه السطور القليلة.

إن الوزارة في الفكر السياسي الإسلامي هي ذلك الجهاز المساعد والمعاون للخليفة في اختصاصاته التنفيذية التي تلقى على عاتقه في تحمل مسؤوليات كبيرة ومتعددة يستحيل أن يمارسها بمفرده ؛ “لأن ما وكل إلى الإمام من تدبير الأمة لايقدر على مباشرة جميعه إلا باستنابة ونيابة الوزير بالمشاورة له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها ليستظهر به نفسه وبها يكون أبعد من الزلل وأمنع من الخلل”[1].

والوزارة موجودة في المفهوم القرآني قال تعالى: ” واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري”[2] نفهم من الآية أن مهمة الوزير هي أن يشد لأزر ويشارك في الحكم عن طريق إبداء الرأي والمشورة[3].

وبهذا المعنى نجده أيضا في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي روته لنا عائشة رضي الله عنها حيث يقول: ” إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكره أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوءٍ إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه”[4].

وكلا المعنيين ليسا ببعيدين عن المعنى الّلغوي الذي تشتق منه كلمة الوزير” فقد قيل: إنها مشتقة من الأزر وهو الظهر؛ لأن الخليفة يقوى بوزيره كقوّة البدن بالظهر، وقيل: إنها مشتقة من الوزر وهو الملجأ أو المعتصم؛ لأنه يلجأ إلى الوزير ويرجع إلى رأيه وتدبيره، وقيل: إنها مشتقة من الوزر وهو الثقل والعبء لأن الوزير يتحمل أعباء الحاكم وأثقاله،[5]، وفي هذه الأحوال جميعا يظهر جليّاً أن الوزير ليس مجرّد رسول أو واسطة بين الخليفة والرعيّة وإنما صاحب سلطة ونظر وتقدير للأمور وإنه بذلك يعاون الحاكم و يحمل عنه بعض أعباء الحكم.

والوزارة ليست من النظم التي استحدثها الإسلام، بل كانت موجودة قبل الإسلام وخاصة عند بني إسرائيل، أما الوزارة في عهد الإسلام فقد مرت بعدة مراحل، مرحلة لم تكن الوزارة معروفة ولم تتضح معالمها وقواعدها، وتشمل تلك المرحلة مرحلتي صدر الإسلام وعهد بني أميّة رغم أنه كان هناك من يسندون إليهم بعض المهمات دون أن يطلق عليهم اسم الوزير، أما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي اتضحت معالم الوزارة وتحددت قواعدها وهي: مرحلة العباسيين[6].

وكان الوزير بمثابة الساعد الأيمن للخليفة ويطلق عليه ” معاون الخليفة الأول” على غرار ماهو معروف اليوم في المغرب العربي ” الوزير الأول” وتطلق عليه أغلب الدول ” باسم رئيس الوزراء” طبعا على خلا ف في الصلاحيات كل حسب دولته، فكان له الحق في تعيين العمال وفصلهم والقيام على موارد الدولة ومصارفها والإشراف على ديوان الرسائل[7] ، ومع ذلك كان مركز الوزير يتردد بين القوّة والضعف بحسب قوّة الخليفة وضعفه كما يُظهر لنا التاريخ من أن العهد الأول من الخلافة العباسية كان الوزير ضعيفا لقوّة الخلفاء في ذلك العهد لاسيما فترة أبي العباس السفاح وفترة أبي جعفر المنصور على عكس العهد الأخير من الخلافة العباسية[8].

والمشتغلون في الفكر السياسي الإسلامي قد قسموا الوزارة إلى قسمين رئيسين هما وزارة التفويض ووزارة التنفيذ، أما وزارة التنفيذ فيقصد بها حسب تعريف د/ حسن إبراهيم ” أن يعهد الخليفة بالوزارة إلى رجل يفوض إليه النظر في أمور الدولة والتصرف في شؤونها دون الرجوع إليه ولم يبق للخليفة بعد ذلك إلا لولاية العهد، أما د/ صبحي صالح فقد عرفه أيضا تعريفا قريبا إلى هذا(( النظم الإسلامية د. حسن إبراهيم ص،121، وأنظر أيضا، النظم الإسلامية.د . صبحي الصالح ص 301.))

وكلا التعريفين لايصلحان في واقع الحال؛ لأنهما يشيران إلى أن الوزير يمكن أن ينفرد بالسلطة ويتصرف كيف يشاء دون الخليفة ولهذا يمكن أن نعرف وزارة التفويض كالتالي” تخويل الخليفة أو الرئيس بعض الصلاحيات المسندة إليه إلى غيره على أن يتخذ التدابير والوسائل الكفيلة لمساء لتهم ومحاسبتهم عن نتائجها بحيث يضمن ممارستهم لتك الاختصاصات على الوجه الذي يترآى له بصفته المسئول عنها[9].

وإذا عرفنا ذلك فإننا نستطيع القول بأنه لايمكن أن يكون مركز الخليفة في الدولة الإسلامية مركزا صوريّا فقط لايملك من أمر الحكم شيئا ويترك سياسة الدولة وإدارتها لغيره دون مباشرة ومراجعة منه وهذا لاتقبله المبادئ الإسلامية؛ لأنه يصطدم مع أصل عام قرره الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” فإذا كان الخليفة راعيا ومسؤولا عن رعيته فلا بد أن يكون ذا سلطة وهيبة فعلية، وقال بعض البلغاء” من استوزر غير كاف خاطر بملكه، ومن استشار غير آمن أعان على هلكه، ومن أسر على غيرثقة ضيع سره، ومن استعان بغير مستقل أفسد أمره، ومن ضيع عاقلا دل على ضعف عقله، ومن اصطنع جاهلا أعرب عن فرط جهله[10]

ولعل الماوردي كان أكثر صراحة مما لايدع مجالا للشك حيث قال” وإذ ما تقرر ماتنعقد به وزارة التفويض فالنظر فيها وإن كان على العموم معتبر بشر طين يقع الفرق بهما بين الإمامة والوزارة: أحدهما يختص بالوزير وهو مطالعة الإمام لما أمضاه من تدبير وأنفذه من ولاية وتقليد … والثاني مختص بالإمام وهو أن يتصفح أفعال الوزير وتدبير الأمور ليقرّ منها ماوافق الصواب ويستدرك ماخالفه لأن تدبير الأمة إليه موكول وعلى اجتهاده محمول”[11].واشترط الباحثون لوزارة التفويض شروطا منها، العلم بأمور الدنيا والدين وليس بالضرورة أن يبلغ مرتبة الاجتهاد، والعدالة، وسلامة الحواس والأعضاء، والكفاءة اللائقة والعقل الراجح، وحفظ الأسرار، وصواب التدبير[12].

أما وزارة التنفيذ فهي التي تقتصر مهمة الوزير فيها على عرض أمور الدولة على الخليفة فقط ليتلقى توجيهاته بشأنها ثم يقوم بتنفيذ ما أمر به الخليفة دون أن يكون له سلطة تقديرية أو حق في الاجتهاد في شؤون الحكم المختلفة….. وهو بهذا الوصف لايعدو أن يكون واسطة بين الخليفة والرعية[13]. أما شروط وزير التنفيذ فقد حدد كل من الماوردي وأبي يعلى. وكلها تدور حول الأمانة والذكاء وقلة الطمع والأخلاق الفاضلة، والتجربة السياسية الّلازمة لدور الوساطة الذي يضطلع به هذا الوزير وبناءً عليه فإنه لايشترط وزارة التنفيذ الشروط الأخرى كالحرية، والعلم بالأحكام الشرعية والمعرفة بأمر الحرب والخراج[14]

صـفوة القــــــــــــول

إن هذا العصر الذي نعيش فيه أصبحت أمور الحكم وسياسة الدول على درجة كبيرة من التعقيد والتشعب، فإنه من المستحيل أن توكل كل أمور الدولة إلى وزير واحد يقوم بكل شؤون الدولة وعليه، فإنه من المصلحة أن تتعد الوزراء حسب تعدد أعمال الدولة وتجدد حاجاتها بحيث يختص كل وزير بعمل معيّن لايشاركه وزير آخر. وهذا يساعد على حسن سياسة الدولة وتيسير أمورها وإدارتها والقيام بتقديم الخدمات وإشباع حاجة المجتمع على خير وجه.

كما أنه ليس من الأنسب في وقتنا الحالي أن يكون اختصاص العام للوزير عموم النظر في كل أعمال الدولة من مالية وإدارية وحربية، لاسيما وأن هذا الشرط لاسند له من نصوص الشريعة ومبادئها العامة وعُذرنا للما وردي وغيرهم أنهم قد استمدوا من هذا الشرط من الواقع الذي عاشوه وكان قد ساد فيه هذا النوع من الوزارة وهو العصر العباسي.

وقد قرر الإسلام أن للخليفة أن يسأل الوزراء ويراقبهم ويحاسبهم إذا أساءو معاملة الناس أو ارتشوا أو سرقوا أوجارو أو خانوا أو أخفو الأسرار عن الإمام وأمثال ذلك من الإساءات، ولهذا أنشئوا هذا ما اصطلح في زمانه (ديوان المظالم) الذي كان يتمتع في يومها قدرٌ كبيرٌ من الصلاحيات، ويطلق عليه اليوم لدى بعض الدول باسم ( ديوان المراقبة العامة) ويشترط في المساءلة والمحاسبة أن لاتؤدي إلى إثارة فتنة عمياء تكون وبالا على الأمة على حد قوله تعالى” واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”[15] وأن لاتصل إلى حد التجسس والتشهير على حد قول أبي بكر الصديق (وإن أسأت فقوموني) ولا يمنع الإسلام أن تنظم الرقابة على الوزراء والمعاونين في الحكم بأن يوكل ذلك إلى مجلس النواب أو الشعب أو الشورى وأن ينشأ مجلس رقابة يرتبط مباشرة بالخليفة[16]

---------------- هوامش -----------------------
  1. الأحكام السلطانية الماوردي ص، 21. []
  2. طه 29-31 []
  3. النظريات السياسية د. محمد ضياء الدين الريس، ص228 []
  4. أخرجه أبو داود في كتاب الإمارة باب اتخاذ الوزير/ عون المعبود شرح سنن أبي داودج8ص150، وأخرجه البيهقي أيضا في كتاب أدب القاضي، باب من يُشاور السنن الكبرى للبيهقي ج10ص112 []
  5. أنظر لسان العرب مادة وزر ج 5 ص282-283، وأنظر أيضا الأحكام السلطانية الماوردي ص24، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص13،والنظم الإسلامية د صبحي الصالح ص 294. []
  6. ابن طباطبا ( محمد بن علي المعروف بابن الطلقطقي) الفخري في الآداب السلطانية والدولة الإسلامية ، ص136- 137. []
  7. راجع في ذلك مقدمة ابن خلدون، ص206 . []
  8. النظم الإسلامية .د. صبحي الصالح ص،298-299. []
  9. التفويض في الاختصاصات في النظام الإداري، د محمد سعيد أحمد، مجلة الإدارة العامة، عام 1969م ص105 نقلا بواسطة كتاب، التفويض الإداري بين الشرعة والقانون، د يوسف الشلب، ص22-23 []
  10. تسهيل النظر وتعجيل الظفر للما وردي ص195. []
  11. الأحكام السلطانية للما وردي ص،24. []
  12. الغياثي للجو يني ، ص132-133 وأنظر أيضا أهلية الولايات السلطانية. د. عبد الله الطريقي، ص93-94، وأنظر أيضا النظام السياسي د. عبد العزيز الخياط، ص.221. []
  13. الأحكام السلطانية للماوردي ص25،و النطم الإسلامية د. صبحي الصالح ص،301، والنظم الإسلامية د. حسن إبراهيم ص121. []
  14. الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص،15، والأحكام السلطانية للماوردي ص،27. []
  15. الأنفال 25. []
  16. النظام السياسي في الإسلام ص، عبد العزيز الخياط ص،223، بتصرف يسير []

3 تعليقات

  1. avatar

    شكرا لدكتور أدم علي ما أفادنا… تكمن أهمية السلطة التنفيدية في أي نظام يعتمد علي اقامة وإدارة شئون الدولة ولو جزئيا في أنها تحافظ علي استمرارها. أما ادا لم يكن هناك أعوان ووزراء يساندون الرئيس فان الدولة ستتلاشي مع مرور الزمن. فوجود الوزارة في الفكر السياسي الاسلامي دات أثر بالغ في استمرارية النظام السلطة . جزيت خيرا د أدم ودمتم برعاية الله.

  2. avatar
    عبدالواحد شافعى

    شكرا أستاذنا آدم يونس بحث علمي عميق يدل على تمكن الكاتب وتبحره في السياسة الشرعية. إذا كان للخليفة أن يراقب الوزراء فمن يراقبه هو أم أن سلطاته مطلقة؟ خاصة إذا عرفنا أن تصرفات وسلوك هؤلاء- باستثناء اخلفاْ الراشدين- من االبطش والقهر والظلم أقرب إلى الملك منها إلى الخلافة وتسميتهم بالخلفاء ليس إلامجازا وهم فى الحقيقة ملوك. ثم أن السياسة الشرعية مدارها المصلحة وتحقيق العدل وكما يقول ابن القيم حيث العدل فثم شرع الله، والمناظرة التى جرت بين أبي الوفاء ابن عقيل وبين بعض الفقهاء في ذلك مشهورة عند علماء هذا الفن ومنهم كاتبنا الفقيه آدم.

    تحباتى للجميع، وشكرا

  3. avatar

    Thanks you so much Doctor Adan for this
    I think this is very important aspect of modern life
    We need to know what Islam says about ministries and governments
    Hope the doctor to write about the Islamic Sharia in Somalia
    Shall we put peace before implementation of Islamic Sharias