الرئيسية | مقالات وكتابات | صلوات مدنسة بالدم

صلوات مدنسة بالدم

عن محمود مختار أباشيخ

avatar
كاتب وقاص صومالي، كان صحفيّا صوماليا عمل في القسم العربي إذاعة مقديشو في عصر سياد بري، وكان ينشر مقالاته في جريدة نجمة أكتوبر الحكومية اليومية في ذلك الحين.. هجر الصحافة بعد انهيار الدولة له مجموعة قصص قصيرة غير مطبوعة. توجه في المرحلة الأخيرة في دراسة مقارنة الأديان السماوية ومناظرة المخالفين للإسلام عبر البالتوك. وكتب في هذا الموضوع كثيرا.. يقيم في لندن.

هذه القصة القصيرة كتبت أثناء الاحتلال الأثيوبي والمقاومة الشريفة.. في عام ٢٠٠٧م ———– رأيتني أسير بجانب إذاعة مقديشو هابطا تجاه شارع مكة المكرمة .. رن الجوّال وبدون مقدمات قال المتكلم .. – بؤلظ اختطف . – ألو .. ألوو .. ألوووووو . من أنت .. أجبني …

أهم ما جاء في الحوار:

نبذة عن:

هذه القصة القصيرة كتبت أثناء الاحتلال الأثيوبي والمقاومة الشريفة.. في عام ٢٠٠٧م

———–

رأيتني أسير بجانب إذاعة مقديشو هابطا تجاه شارع مكة المكرمة .. رن الجوّال وبدون مقدمات قال المتكلم ..
– بؤلظ اختطف .
– ألو .. ألوو .. ألوووووو . من أنت .. أجبني يا أخي .. تقصد زكريا بطرس ؟ يا أخي أجبني .. من خطفه ومن أنت ؟ ..
لا يرد, وفجأة سمعت صرخة عظيمة ممدودة مدا طويلا
– “استااااااااااااااااج ” (أي قف بالصومالية) ..
توقفت وأنا أبتسم فقد ذكرتني الصرخة بأيامي في إذاعة مقديشو، وكانت صرخة “استاج”  دلالة علي حدوث تغيير في طاقم الجيش الذي يحرس مبني الإذاعة ووزارة الإعلام.
الصوت كان مختلفا هذه المرة، ربما كانت الصرخة أشد وأعظم، لكن اللكنة مختلفة والنبرة غريبة علي مسامعي …توقفت، وكنت أمام مدرسة جمال عبد الناصر.. وكما كنا نفعل قديما، رفعت يدي، لم أر أحد .. رن جرس الجوّال، تجاهلته حفاظا علي حياتي، رفعت عيناي .. لوحة المدرسة لم تكن هناك، ووضع مكانها راية بغيضة إلي قلبي .. كم تمنيت أن أبصق عليها، عندما كنت صغيرا، كنت دائما أرى نفسي أشارك في رفع العلم الأزرق ذي النجمة البيضاء مكان هذه الراية، في هرر وأوغادينيا، كنت أراه يوما قريبا، لكن يبدوا ان الموت أقرب!!
نطقت بالشهادتين حين شاهدت فوهة بندقية تخرج من فتحة بوابة المدرسة .. تيقنت أني ميت لا محالة، وتيقنت أكثر أني احلم، لذلك لم أخف كثيرا. ولكن حين أطل رجل برأسه ساورني الشك .. لعل هذا شعور المخلفين أمثالي شغلتهم الدنيا .. يظنون ان الموت بعيد عنهم، وحين يأتي يومهم يظنون أنهم يحلمون .  المخلفون .. أليست منهم ؟ حاربت .. نعم حاربت حروبا وهمية .. ورفعت راية الإسلام ولكن في خيالي، وحين كان الجيش الصومالي على مشارف أديس ابابا كنت معهم .. في خيالي  .. وها هي راية الأمحار وضعت مكان عبد الناصر ولا شك أنها وضعت أيضا مكان سخاء الدين والشيخ صوفي والجنرال دوود ويوسف الكونين .. ولم أحارب .. لم أخض حتى الحروب الوهمية .. لم أشارك بخيالي .. خوفا من أن تقرأ محاكم التفتيش ما يدور في خيالي.
..فتحت البوابة تدريجيا وخرج أحدهم، وتبعه جندي ذو ملامح أمحارية .. تقدم إليّ أحدهم والآخر ظل واقفا عند البوابة يصدر أوامره من بعيد … خلعت ملابسي كما أمرت .. تقدم الآخر وقال ما قال بلغة أجنبية، وترجم لي الأول قائلا:
– أنه يسألك، كيف وصلت إلي هنا ؟ ومن أنت ؟
“لم تكتفوا بهرر وأوغادينيا وجغجغا . يا خسارة علي دمائنا التي سالت في جودي.” قلت ذلك في نفسي وقاومت الاسترسال في حديث النفس وسألت الأمحاري الذي أمامي من خلال المترجم إن كان يتحدث الإنجليزية؟  يبدو أن ذلك قلل من قلقه فابتسم، لكنه لم ينزل بندقيته وسألني نفس السؤال بالإنجليزية. فقلت:
– إن الرب قد أتي بي الي هنا لغرض ..
حرك رموشه كمن يحاول أن يستوعب ثم قال:
– كيف عبرت حواجزنا ؟
– نقلتها
قلتها متجنبا ان تلتقي عيناي بعينيه .. بدت عليه الدهشة وهو يسألني:
– كيف
ودون أن أفكر قلت:
– فالحق اقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا الى هناك فينتقل
أغمض نصف عينه اليمني وحرك جبينه .. لم يقل شيئا .. فكر مليا ثم أزاح عني البندقية .. رسم الصليب على صدره وتمتم بكلمات لم أفهمها .. مرة أخري أغمض نصف عينه اليمني وسألني:
– هل أنت …؟
لم يكمل السؤال، بل طلب مني أن ألبس ملابسي ثم وجه كلامه للمترجم فانصرف، بينما الجندي الأمحاري عطل بندقيته ثم أمسك بيدي كما يمسك الأب الحنون يد ابنه وسألني مترددا:
– هل أنت مسيحي؟
– هل تسمح لي ان أرد علي الجوّال أنه يرن ..
ألوو .. من ؟ ابن البلد .. حبيبي .. لا أسمعك .. فقط سمعتك تقول عمروف عملها .. ماذا عمل ؟ ماذا ؟ حذف ؟ خطف من يا أخي إرفع صوتك ؟ البابا أم زكريا بطرس ؟  ألو .. ألوووو …

لنعد إلي الجندي الأمحاري ..
– بما أدعوك صديقي ؟ يون .. ماذا ؟ يوناديت ..
– أها .. اسم جميل، أما أنا فاسمي أحمد الأشول .. يعني مسلم يا يوناديت ..
خفض يوناديت رأسه وألصق ذقنه بصدره وقال متسائلا وهو يسترق النظر إلي:
– مسلم؟
– مسلم يبحث عن السلام .. أريد الطريق والحق والحياة..
قلتها دون أن أنظر إليه فلم أر رد الفعل علي وجهه .. كنت أتأمل في المحيط الهندي، وأحاول أن أتذكر .. هل كان البحر يرى من هذه الهضبة في الثمانينات .. لا أذكر .. كل ما أذكره عن البحر، أنه لم يكن كئيبا كما هو حاله الآن  .. بحرنا كان دائم الابتسامة وأمواجه كالأسنان البيضاء بين المبسم يحيط برفق على مقديشو الحبيبة بذراع العاشق علي معشوقته.
أيقظتني ذراع الأمحاري المحيطة بي .. سألني:
فيم تفكر؟
لم ينتظر أن أرد عليه وأضاف علي الفور
– “تعالوا إليّ يا جميع المتعبين وانأ أريحكم” هكذا قال يسوع.
اكتفيت بابتسامة .. سألني إن كنت أحب العنجيرة، وأضاف أنه سوف يثبت لي ان العنجيرة الإثيوبية ألذ من العنجيرة الصومالية. لم أتردد، بل كنت متشوقا إلي إلقاء نظرة علي مدرستي ..
فناء مدرسة جمال عبد الناصر .. علي الشمال مكتبة المدرسة، وهنا علي اليمين كان الأستاذ لبيب مشرف المدرسة يركن سيارته. وقد افترش أربعة من القوم تلك البقعة بينهم سيدة …. الأشجار كما هي وإن بدت لي أقل نضارة ولكن الوجوه ليست هي ولا حتى شبيهة .. فلا أحد يشبه صديقي مهدي جيلي ولا فكري  وعبد القادر. وهذه السيدة قطعا ليس لها ملامح أمرن .. ولم يكن هنا أطفال في أيامنا ولا أدري ما الذي أتي بأطفال الأمحار إلي هنا … أتراهم لا ينون العودة فاصطحبوا معهم أطفالهم ونساءهم؟
أكلنا العنجيرة في الفناء، ولا أدري كم مرة خلالها قال لي الأمحاري ان يسوع يحبني وكم مرة أعلنت حبي له حتى جاءت سيدة أمحارية .. ابتسمت لي قبل أن تناول كتابا للأمحاري ثم أخذت الأطباق وانصرفت.
– هنا السلام الذي تنشده
قالها الأمحاري وهو يناولني الكتاب الذي كان يمسك به ثم أضاف:
– هنا الطريق والحق والحياة .. هكذا قال يسوع .. كلمات لم يتلفظ بها أحد من الأنبياء .. إفتحه..
فتحته .. الصفحة الأولي .. لم أدرك حرفا واحدا..
– هات أترجم لك.
قالها مبتسما
سألته أي كنيسة يتبع فقال في اعتزاز انه أرثوذكسي يتبع كنيسة الإسكندرية وفتح الإنجيل وبدأ يقرأ
طوبى للحزانى.لأنهم يتعزون.
طوبى للودعاء.لأنهم يرثون الأرض.
طوبى للودعاء.لأنهم يرثون الأرض.
طوبى للجياع والعطاش إلى البر.لأنهم يشبعون.
وحين وصل إلي هنا رفع عينيه من الكتاب ونظر إلي..  فقلت:
– رائع ..
استمر الأمحاري وقلت في نفسي من أكثر منا حزنا وقد سقطت عاصمتنا وها نحن نتجرع الجوع فطوبي للجياع الصوماليين.
طوبى لصانعي السلام. لأنهم أبناء الله يدعون… أتراه يقصد “المحاكم الإسلامية” إذ لم نعرف طعم السلام إلا من خلالهم. أم يقصد قواته وإن جاءت لمطاردة سلام المحاكم ونبذهم بالألقاب “طوبى للمطرودين من اجل البر.لان لهم ملكوت السموات  طوبى لكم إذا عيّروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين.”  إرهابيون .. وهابيون طالبانيون .. أخرجوهم من مقديشو .. حرموا أدغال كسمايو.. فتشوا الكهوف .. أقلعوا جبال تورا بورا من جذورها .. لا تبقوا منهم نسمة في تل الربيع .. عسقلان .. الجليل .. حيفا .. كفر قاسم .. دير ياسين  “افرحوا وتهللوا.لان أجركم عظيم في السموات.فأنهم هكذا طردوا الأنبياء “. ما أروع هذا الكلام،، استمر يا يوناديت  ولا تقف ….
– “فاني أقول لكم إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات
قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل.ومن قتل يكون مستوجب الحكم.
وأما أنا فأقول لكم ان كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستوجب الحكم. ومن قال لأخيه رقا يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم.”
يا سلام علي هذا الكلام ما أروعه .. صدقني يا يوناديت لو كانت بندقيتك تعقل لما ترددت في قبول هذه التعاليم .. استمر:
سمعتم انه قيل عين بعين وسن بسن.
وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر
لا تقاومونا يا شعب الصومال .. لا تقاوموا جيش أبرهة .. لا تقاوموا رعاة البقر .. لا تقاوموا اليهود، ودعوا الأحلام تتحقق
لا تقاوموا الشر .. .بل من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الأيمن أيضا…   ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا.”
ما أروع هذا الكتاب .. ما أروع هذه التعاليم .. السلام في أعلي معانيه .. إن طمعوا في مقديشو فقدم لهم دارفور أيضا .. إن احتلوا القدس فادعوهم إلي رام الله .. إن سموا تل الربيع بتل أبيب فغيروا غزة إلي يهوى. ولا تنس ان مكة والمدينة يجب أن تقدما علي طبق واحد.
– استمر يا سيدي ..
لم يستمر يوناديت بل تناول بندقيته سريعا .. نهض .. حول كل انتباهه إلي الصوت القادم من خلال مكبر الصوت وعاد إلي الجلوس وبدأ يقرأ:
– سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك.
قاطعته .. سألته عن مصدر صوت الرصاص؟
– وهل توقف إطلاق الرصاص؟
– لا ولكن هذه المرة كان قريبا جدا منا
قال :
– لا تخف .. تدريبات، وعاد يقرأ من جديد:
. سمعتم انه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم.
الحق والحق أقول، أنها أسلم وسيلة لنيل السلام .. لا تقاوموا الشر .. حولوا الخد الآخر .. تنازلوا عن كل هبة إلهية .. الدين ..الأرض .. المال .. البنون .. الشرف .. الكرامة .. فإن فعلتم ذلك، عم السلام علي أعداء السلام وبقيت العبودية الجاهلية …
– أتسألني عن رأيي يا يوناديت .. درر يا يونادات .. هذا ليس بكلام بشر عادي .. لابد ان يكون كاتب هذا الكلام عبقريا وذو فكر توسعي كأبرهة .. الإسكندرالأكبر .. الإمبراطور قسطنطينوس ..  جورج بوش .. لماذا تنظر إلي هذه النظرة المريبة يا يوناديت؟
– أنه أعظم من كل هؤلاء العظماء ؟
– أنه الإله يا أحمد
– يوناديت … أريد أن أحضنك.. أنا أحبك كثيرا
فرح يوناديت .. وطوق يديه حولي بشدة وهو يقول:
– يسوع يحبك يا احمد .. هيا معي .. هل تحب تحضر معي إلي قاعة الصلاة .. سألته إن كان اليوم يوم أحد، فقال:
– هي صلوات خاصة .
قلت ما هي .. وصعقتني الإجابة .. إذ قال:
– البابا مفقود .. لعله معتصم في دير، نصلي من أجله.
وبدأ الرقص والغناء أو الصلاة والترانيم كما يسمونها .. لم أفهم شيئا سوى الموسيقي والرقص أشبه برقصة كبيبي .. رقص الجوّال في جيبي .. انتبذت إلي مؤخرة القاعة ..
– الو .. ابن البلد .. لا يا أخي أنا في الصومال .. لا أدري لا أستطيع أخبرك الآن متى رجعت الصومال .. المهم اخبرني، من اختطف وما دخل عمروف ؟ ماذا .. حال البلد .. كل شيء متغير .. البحر لم يعد أزرقا .. لأن السماء ليست زرقاء .. صارت خضراء صفراء حمراء .. رائحة الأمحار تفوح في البلد .. هم حولي في كل مكان .. ماذا .. الأمحار هم الأحباش .. دعك من هذا الآن .. أخبرني عن عمروف .. البابا نفسه ؟ والمشلوح كمان ؟ أي تحريات أخي أنا لا أصدق هذا .. ألوو ألوو ..
انقطع الخط .. انقطعت الموسيقي أيضا .. توقف الغناء والرقص .. تناول المصلون أسلحتهم .. جثوت إثر إطلاق وابل الرصاص تبعه عويل النساء وبكاء الأطفال.. الموت في كنيسة .. هل هذه نهايتي ..  تمنيت أن الله يرسل الذي عنده علم من الكتاب فيحملني ولا أموت في مرقص .. سمعت صرخة تطلب الرحمة بالأطفال .. توقف الرصاص .. أحد ما أخذ يجرني من يدي وسرعان ما أمسكت أربع أياد بقدمي وهرعوا بي.. قذفوني في مؤخرة سيارة كما يقذف كيس الدقيق، وانطلقت السيارة في سرعة حتي أني لم أميز ما ان كبر الأول أم انطلقت السيارة … لكن القوم كبروا. إنهم مسلمون .. إنها المحاكم .. يبدوا أنهم يظنوني أمحاريا، أكد لي ذلك قول أحدهم الهدف معنا .. لكن ما علي إلا إلقاء السلام والتحدث بالصومالية..  قلت:
– السلام عليكم ..
ردوا علي بأحسن منها ..
– هل يسمح لي بالجلوس ..
قال أحدهم :
– ليس الآن ..
وما أن قالها حتى سمعت انفجارا مروعا تبعه إطلاق الرصاص من جانب مختطفي.. بعد عدة دقائق سمح لي بالجلوس .. نظرت علي يميني .. لم أعرف أين كنا .. أردت أن أسأل .. أدرت وجهي .. ابتسم الجالس علي يساري .. دققت فيه النظر ..
– أنت .. أنت هو ؟
– أنا هو ..
إنه المترجم .. وبعد حوار قصير تبين لي أنهم مقاتلو المحاكم كما تبين لي أن فك الأسير واجب ديني .. سألوني ما ان كنت جائعا قلت:
– لا ..
– أبحاجة إلي أي شيء؟ ..
– أريد أن أستيقظ ..
ضحكوا وقال أحدهم :
تقصد تريد النوم ..
ونمت. ولكن سرعان ما أيقظني احدهم وهو يقول لي ..
– الهرم يا بيه
الهرم ..  سبحان الله .. أين الإخوة أين المحاكم أين عربة اللاند كروزر التي كنا فيها .. كيف تحولت إلي سيارة أجرة .. لا أدري .. مرة أخري السائق يقول لي :
– الهرم يا بيه ..
– أين المحاكم .. ؟
غضب السائق وقال لي :
– عليّ أنا الحركات هذه … أنزل.. وخلينا نشوف أكل عيشنا ..
نزلت .. تحسست جيبي الخلفي .. قبل السائق الورقة النقدية وغادر .. رن الجوّال .. رديت في لهف ..
– ابن البلد .. ابن البلد محتجز يا مولانا .. أخوك عمر..
تنفست الصعداء وسألته:
– أين هو ..؟
قال:
– قف مكانك ..
وقفت ..
قال:
– استدر 180 درجة ..
رأيت سيارة من على بعد .. أنه هو .. تقدمت إليه في شوق كي أحضنه .. لم أفعل ..  توقفت حائرا أمامه فاتحا ذراعيه واضعا إحدى قدميه علي خنزير .. ركله وتقدم إليّ ..
– لا تلمسني ..
قلتها بحزم ..
قال مازحا يقتبس من “العهد الجديد”:
– لم أصعد بعد إلي أبي وأبيكم إلهي والهكم ..
– عمروف أنا لا أمزح .. لما تنجس قدمك بعد يدك ؟ أين البابا ؟
قال دون أن تفارقه الابتسامة:
– اطمئن..  البابا وجد في حالة تأمل بمذود في الصعيد أسوة بالمولود في مذود!
لم أملك نفسي من الضحك .. سألته عن الخنزير  الذي عاد نحوه .. فضع قدمه عليه وقال:
– يا أحمد .. صدق ولابد أن تصدق .. هذا الخنزير نجس بخنزيريته طاهر بناسوته
انفجرت في وجهه وقلت ساخرا:
– لعلك نظفته وأزلت عنه النجاسة ..
قاطعني وقال:
– هذا الخنزير هو القمص المشلوح، فهل تسمح أن أقص عليك القصة
– لا .. واجب علي السؤال .. أين القمص؟
– القمص تجسد في خنزير يا حضرة الضابط
صاح الضابط :
– رجعه إلى الحبس ..!!
صرخت فيهم:
– لن أتكلم إلا أمام البابا أريد البابا
أتوا لي بشيخ ينصحني .. لم يكن شيخا, عرفته من لحن القول .. قصصت عليه القصة كما رواها لي عمروف ..  لم يصدقني ..  ألقي علي سبعون سؤالا .. لم يكن لدي الأجوبة .. كل ما أعرفه ان القمص أحب المسلمين فتجسد في خنزير استنادا إلي إنجيل متى 7/6 وبدأ كرازته من بيت عمر ,, لماذا لم يقتل الخنزير؟ لأن الخنزير لديه جنسية العم سام .. لماذا لا يتكلم الخنزير ؟ ربما ناسوته نائم أو مغشي عليه, لكنه تكلم مع عمر .. ماذا قال ؟ قال أنا هو .. وقال أنا والخنزير واحد وقال المشلوح أعظم مني ولعله نحو الساعة التاسعة يقول أبي أبي لماذا شبقتني .. أي أبي أبي لماذا تركتني .. صفعني الشيخ المزعوم صفعة أدارت الزنزانة من حولي .. تماسكت ورديت تحيته بأحسن منها .. اشتبكنا .. انطلق صفير الإنذار .. هرعت الشرطة .. فتج الباب وأنير المكان وحينها شاهدت زوجتي تمد يدها نحو المنبه لتوقفه فقلت أصبحنا وأصبح الملك لله.

4 تعليقات

  1. avatar

    السلام عليكم

    كالعادة نزعل عليكم يا ابا مختار في نهاية كتابتك نتمى انها لم تنتهى ,,,

    رائعة تضاف الى بستان كتابتك ,,,

    وفقك الله

    اخوك ابو فهد

  2. avatar

    السلام عليكم
    حياكم البارى مولانا الحبيب وجزاكم الله خيرا
    قصة متميزة تبين سفاهة القوم وسفهة معتقدهم ومدى ظلمهم فى اطار هادىء سلس فجزاكم الله خيرا
    وقبل المغادرة اخبرك بان الناسوت هو من كتب هذا الرد
    السلام عليكم ورحمة الله

  3. avatar

    شكرا الاخ محمودمختار القصة جميلة واعادة لى ذكرياتى بمقديشيو العاصمة الصومالية الجميلة والاماكن التى ذكرتها مازالت فى عقلى ومن هذا المكان عند مد رسة جمال عبد الناصر والازاعة الصومالية ومكتب البعثة المصرية ونادى كمال الين وسينما الحرية ومنظر المخيط الجميل وشاطىء الليدو يارب يارب يارب ارجع للصومال امنة وسلامة وارزق اهلة الطيبين امين امين

  4. avatar

    شكرا محمود على هذه القصة المكتظة والمكثفة والتي تكتنز رموزا دينية وثقتفية متعددة. لقد تأثرت كثيرا بمقارنة الأديان.. ليتك لم تهجر الأدب.. لكسب الصومال قاصا ماهرا. نرجو أن نقرأ من قصصك الكثير.