رتب لخدمات احصائيات و ترتيب المواقع | شبكة الشاهد الإخبارية - احصائيات و ترتيب

أنتم تسرّون وأنا أجهر

24 ديسمبر، 2010

avatar

يعتقد كثير من الناس أنّ التحدّث مع النفس بصوت مرتفع يعدّ إحدى أمارات الجنون وفقدان الوعي، فيما يراه آخرون ظاهرة طبيعية لدى شرائح واسعة من البشر ممن يكثرون من إعمال عقولهم في مختلف المواقف ويتحمّسون أثناء التفكير تفاعلاً مع ما تمليه عليهم عقولهم وأحاسيسهم.

ما سبق يجرّنا إلى جدلية الفرق بين لغتي التفكير والتعبير، وما إذا كان يمكن التفكير واستعراض المواقف والأشياء خيالياً من دون لغة، وعلى الرغم من أنّ التفكير يعدّ أكثر أنواع السلوك البشري تعقيداً إلا أنّ بعض علماء اللغة والفلسفة يرون أنّ الشكل اللغوي شرطٌ لتحقق الفكر، مما يعني أنّه لا تفكير من دون لغة.

وفي موضوع مشابه، سئل مجنون صومالي حكيم – عافاه الله- عن السبب وراء رفعه الصوت عند التحدّث مع نفسه وحيداً، فقال: كلنا نتحدث عند الوحدة، لكنّ الفرق هو أنكم تسرّون بحديثكم وأنا أجهر به. انتهى كلامه، وأعتقد أنّ كثيراً من الناس – ومنهم كاتب هذه الأسطر- لولا خوفهم من الرمي بالجنون والسفاهة وحرصهم على مراكزهم الاجتماعية لكسروا القيود وانطلقوا بحرّية في الحديث مع النفس بأصوات مرتفعة.

سابقاً كانت -ولا تزال-  النظرة الاجتماعية إلى من يمارس هواية الحديث مع النفس بصوت مرتفع تقضي بأنه مصاب بالجنون، ولربما جنّ صاحبها بعد ذلك فعلياً متأثّراً بكثرة تكرار التهمة، لكن يمكن القول إن تقنية الجوالات الحديثة محت بعضاً من معالم تلك النظرية السلبية، حيث اعتاد كثير من الناس التحدّث بجوالاتهم من خلال سماعات أذن لاسلكية يتعذّر على من حولهم رؤيتها، وهو ما يبدو انتصاراً لكلّ من كان يشعر بالحرج كلما صادفه صديق عزيز أو جار كريم وهو في بحر واسع من التخيل يطلق العنان للحديث مع نفسه بصوت مرتفع.

وفي المقابل يمكن أن نغترّ بسماعات الجوال فنقترب من كل مجنون عنيف سفّاك من دون حذر كما حدث لي ذات ليلة قبل نحو ثماني سنوات وأنا أمشي في زق ضيق يوازي مقابر حنبلي في جيبوتي حين اعترض طريقي رجل يرفع صوته بالحديث وبشكل منظم، وبما أنه لم يظهر أي إهمال في ملبسه حسبته متحدثاً بالجوال.. وما أن اقتربت منه  - وربما قطعت عليه حبل الأفكار- حتى صرخ في وجهي وانحنى يتحسّس حجراً وهو يشتمني أنا وملّتي وعقيدتي وسلوكي. المهمّ أنني انطلقت كالبرق مدبراً والرجل يطاردني حتى اختفيت ونجوت بحول الله.

الحديث مع النفس بصوت مرتفع سمة يعرف بها أغلب المجانين وهواية يمارسها كثير من الأصحّاء  على استحياء، إذاً ليس بالضرورة أن تدلّ على الجنون فقط، ومع ذلك لا يزال الموضوع بحاجة إلى مزيد من النقاش.

3 ردودا على أنتم تسرّون وأنا أجهر

  1. avatar
    عبدالله عيسى آدم 26 ديسمبر, 2010 بالساعة 12:32 مساء

    أهلا بالكاتب الأستاذ زكريا،
    في نظري الجنون هنا أقرب من المكان الذي أوهم بنا الكاتب بأن نبحثه (أي تشخيص Self-Talkers) وما إذا كانوا أناس أسوياء يمارسون شمائل الفطرة، أم أن لديهم ما يريبنا حيالهم كي نظن بهم الجنون.

    ففكرة المقال ذاتها مجنونة. وأظن أن صاحبها لم يأت بها إلا بالجنان أو التكلم مع نفسه جهارا.
    أنا أعتقد أن ما من أحد إلا ويتكلم مع نفسه تقمصا لدور مؤثر، أو تشديد على رأي محل آخر إصرار أو تأكيدا.

    لكن التكلم مع النفس جهارا يحدث في مناسبات لا تماثل بالضرورة.
    فمثلا: تري أن من أكره على شيء في العمل (لقمته) يتكلم وحيدا مع من لم يبالي على قطع رزقه! ومن أنكر على دينا أقرض به سرا يجعل دائنه مجنونا. كما أن خيبة الأمل في السنوات المتعاقبة تتطلب نوعا من التنفيس (أي التكلم مع النفس بغية المواساة والتشجيع ولملمة الجراح).
    ومن فقد حبيبه أحق من هؤلاء كلهم أن يتمتم أو يجهر بالآلام. من جن بالحب فهو عاقل ومن جن بغيره فهو مجنون.

    أما أنا أنجن عندما لا أجد لصوتي صدى…
    تحياتي لك.

    رد
  2. avatar
    محمد آدم 26 ديسمبر, 2010 بالساعة 10:54 صباح

    حياك وبياك يا استاذ زكريا:
    اذكر مرة ان دكتورا متخصصا في علم الامراض النفسية القى محاضرة عن الامراض النفسية وانواعها في احدى مدارس (بورما)، فوجه الى الطلبة مجموعة من الاسئلة كان منها:
    - هل ترون طالبا يبحث ويدور قلما والقلم في يده؟ فاجابوا ان هذا يحدث لمعظمهم، فقال : هذا نوع من الجنون يدعى(كذا) ويصيب الجانب السفلي من المخ و ..و..
    - هل ترون من يحدث نفسه بصوت مسموع؟ هل رأيتم من يرى الحلم في اليقظة؟ هل … هل… ؟ من يحك رأسه.. من يضجك بلا سبب … قال هذه كلها امراض نفسية تصيب المخ او المخيخ ويسمى كذا وكذا… المهم خلا الناس كلهم مجانين.
    ويذكر المؤرخون ان احد الملوك قال لوزيره: احص لي المجانين؟ فقال الوزير: عفوا سيدي، بل احصي لك الاصحاء(العقلاء)! فللجنون فنون، والاصحاء قليلون.
    وشكرا لك استاذنا القدير.

    رد
  3. avatar
    عمر علمي نيمر 24 ديسمبر, 2010 بالساعة 10:25 مساء

    صدقت أخي العزيز …
    الحديث مع النفس وبصوت عاليه شيء يريح النفس ..
    ربما لا تصدقني حين اقول انني عندما كنت أذكار دروسي كنت أتحدث مع نفسي .. حتى اهلي كثيرا ما كانوا يدخلون غرفتي ليتأكدوا ان كنت ما زلت بكامل عقلي …
    المهم ..
    تقبل ودي ..

    رد

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>